وحدة رسالة الأندية السعودية مع اختلاف الآراء

نزيه العثماني

تصرف بلادنا الحبيبية مئات الملايين من الريالات على برامج الابتعاث ويتطلع الوطن ببريق من الأمل للكوادر والعقول التي ستعود من رحلة طلب العلم لتساهم في تطوير المعارف والتقنيات والخبرات المحلية من اجل النمو الفكري والتقني والعلمي والاقتصادي لكن نجاح مثل هذه البرامج يتطلب مساهمة وشعور بالمسؤولية من قبل عدة جهات وكل حسب عمله ومسؤولياته وأود في هذه المقالة أن اركز على ما يمكن للأندية السعودية أن تساهم به في هذا الاستثمار الوطني حيث تولي وزارة التعليم العالي اهتماما كبيرا بالأندية الطلابية السعودية في جامعات دول الابتعاث المختلفة وذلك لأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه تلك الأندية في خدمة الابتعاث والمبتعثين بشكل عام وخدمة قضايا الوطن بشكل خاص. فالنادي هو حضن يستطيع الطلبة والطالبات تشكيله على حسب رغباتهم فإما أن يكون تجمعا لتضييع الوقت فيما لا فائدة فيه أو يكون تجمعا يساهم في مسيرة التنمية للوطن من خلال خدمة احتياجات المبتعثين والمبتعثات العلمية والثقافية والاجتماعية ايضا. وهنا سؤال يطرح نفسه ما فائدة النادي؟ وما ضرورة دعم الأندية السعودية؟ وما ضرورة المساهمة بالوقت والجهد في النادي؟ هل النادي لتلميع الاشخاص والسعي وراء الشهرة أم هو مؤسسة تقوم بواجب وطني كبير؟ طبعا الاجابات على هذه الأسئلة بيد اعضاء وعضوات النادي أنفسهم فهم من يختار ما يريد لنفسه.

لا أود أن أصور الموضوع وكأنه مفروش بالورود البيضاء لأن الأمر ليس كذلك فقد قال الرسول عليه السلام في حديث مرفوع بأن المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم اعظم اجرا من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم (1) ويشير الرسول عليه السلام في هذا الحديث لنقطة مهمة وهي أن مخالطة الناس (العمل في الأندية كمثال) يترتب عليها التعرض للأذى والمشقة وهو أمر لم اقابل احدا عمل بنشاط في الأندية إلا واشار اليه بل وربما اعاد النظر في مبدأ المشاركة كله بسبب هذا الأذى وأود هنا أن اسلط الضوء على عدد من الجوانب التي اعتقد أنها ضرورية من اجل التعامل الفعال مع هذا الأمر:

  1. العمل في الأنشطة الطلابية بشكل عام وفي الأندية السعودية بشكل خاص يكسب صاحبه خبرات كبيرة جدا لا يشعر بقيمتها إلا بعد العودة لأرض الوطن فهناك تدريب حقيقي على أساليب القيادة والإدارة وهناك ايضا تدريب على مهارات التواصل وكيفية العمل مع الآخرين وتطبيقات مستمرة لأفكار حل المشكلات وتنظيم الوقت وادارة المشاريع وكل هذه خبرات قد يتمكن أي شخص من حضور دورات لتعلمها ولكن التطبيق العملي لهذه الأفكار من خلال العمل في الأندية يرسخها بشكل اكبر وهذه فائدة شخصية قد لا يشعر بها صاحبها إلا بعد عودته من الابتعاث.
  2. تربى البعض منا (ولا استثني نفسي) في بيئة محددة لم يخرج عنها ولم يخالط اشخاصا من خارج النمط الخاص به وهذا أمر يحصل حتى في الولايات المتحدة الأمريكية نفسها حيث يتربى الطالب في المدرسة وحتى في الجامعة بين اشخاص يشبهونه فكريا واجتماعيا وقلما يختلط مع اشخاص من خارج بيئته الاجتماعية والفكرية ليصبح شخصا تربى داخل صندوق معين حصر نفسه فيه بدون أن يشعر ولهذا تحرص الجامعات بل وحتى الشركات الكبرى في أمريكا على تشجيع برامج التعددية العرقية (Diversity) لأنهم شاهدوا بأن انتاج المؤسسة وادائها يتحسن عندما يرتفع مستوى وعي الموظفين بثقافات وافكار الآخرين .العمل في الأندية الطلابية يفرض على الطالب أو الطالبة الخروج من القوقعة التي تربى فيها لأنه يفرض عليه/ها الاحتكاك بطلبة سعوديين آخرين من خلفيات اخرى ومناطق اخرى وافكارا تختلف عن الافكار التي تعود عليها ونشأ عليها وشاهدت عددا من الطلبة التي تدهش عندما تكتشف بأن هناك آخرين يملكون نظرة اخرى وفكرا اخر فقد عشنا في صندوق مغلق نظن بأن العالم كله يفكر مثلنا يتصرف مثلنا بينما الواقع هو غير ذلك فهناك فرق بين طريقة تفكير وتعامل من تربى في الحجاز ونجد و الشرقية والجنوبية والشمالية والعمل في الأندية يساهم في توعية الجميع وتوسعة افقهم تجاه هذه الاختلافات مما يوفر بيئة تثري اللحمة الوطنية وتساهم في التدريب على وسائل تواصل واساليب قيادة فعالة مع الآخرين قد يصاحب هذا التدريب البعض من الأذى ولكن الفائدة في نظري تستحق تحمل هذا الأذى.
  3. من المهم أن يشترك كل اعضاء النادي بحمل رسالة النادي بحيث تكون فوق الأفراد فالنادي من المفترض أن يكون مؤسسة تساهم في تنمية الوطن وتساهم في الرفع من شأن الوطن نفسه من خلال تذليل العقبات والمشكلات التي يواجهها المبتعثون والمبتعثات اثناء الدراسة فنجاح أو تفوق طالب أو طالبة هو مكسب للوطن والمساهمة في مساعدة طالب أو طالبة في الحصول على سكن أو تجاوز عقبة دراسية عمل قد ينتج عنه تنفيس كربة من كرب يوم القيامة كما يعد مساهمة في تنمية الوطن نفسه ولذا فمن المهم أن تستمر مؤسسة النادي في استثمار قدرات الجميع باختلافاتهم وتسخيرها لخدمة المبتعثين والمبتعثات ومساعدتهم في تخطي العقبات الدراسية والاجتماعية بل وحتى السلوكية وكما قال رسول الله عليه السلام خيركم أنفعكم للناس والله في حاجة العبد مادام في حاجة اخيه.
  4. التواجد الفعال للنادي في الجامعة من خلال تنظيم انشطة على مستوى كبير يوفر سمعة طيبة للنادي ينعكس اثرها على كل الاعضاء سواء من ساهم منهم في تلك الأنشطة أو لم يساهم وقد شاهدت امثلة كثيرة جدا لمشاكل طلابية اكاديمية واجتماعية ايضا تجاوزها اصحابها لمجرد بأن المسؤول المعني بالموضوع في الجامعة سبق وأن حضر نشاطا سعوديا كبيرا أو تعامل بشكل ايجابي مع مجموعة من الطلبة أو الطالبات بل واعرف بأن هناك طلبة وطالبات سعوديين يتم قبولهم إلى الآن في بعض الكليات والجامعات بشكل مباشر لمجرد أن مسؤولي القبول في تلك الكليات حضروا أنشطة سعودية اقامها النادي لديهم، وهذا يعد مكسب كبير للوطن لأن نجاح أي طالب في القبول هو نجاح للوطن كله.
  5. يشير عدد لا بأس به من الكتابات التي تتناول القيادة ومبادئها لضرورة وجود خلفيات مختلفة ضمن فريق العمل الواحد ويذهب البعض للإشارة بأن فريق العمل الذي يأخذ كل قراراته بالاجماع يملك نظرة قاصرة وان عليه التخلي عن ما لا يقل عن نصف اعضائه والحديث في هذا المجال يطول ولكن يمكن استخدام هذا المبدأ للتعامل الفعال مع مسألة تكتلات الطلبة السعوديين في المدن المختلفة فبدلا من النظر اليها كقضية سلبية اعتقد أنه من الاجدى النظر لها على أنها واقع يمكن الاستفادة منه فمن الطبيعي أن يتكتل الطلاب الذين تتشابه ثقافتهم سويا أو يدرسون في نفس المرحلة أو القسم مع بعضهم البعض ومن الطبيعي أن يرتاح العزاب سويا أو المتزوجون سويا ولا اجد أي مشكلة في هذه التكتلات. المشكله تحصل عندما تكون هناك جدران تمنع التواصل بين التكتلات أو عندما يأتي تكتل محدد ذو رؤية محددة ويستأثر بإدارة العمل ويعمل دوما بالاجماع ولهذا فمن مصلحة ادارة النادي أن تشمل افرادا يمثلون كل التكتلات أو قادرون على الوصول لكل التكتلات واذكر مثلا ادارة نادي نشيطة كانت تشتكي بأن الطلبة العزاب لا يحضرون انشطتها بالرغم من أنها مفتوحة للجميع واستمرت المشكلة إلى أن ضمت الادارة احد العزاب داخلها وصار يساهم في تنظيم الانشطة بطريقة توفر الارتياح للعزاب من اجل الحضور ولهذا وفر تنوع الادارة تواصلا مع فئة اكبر من اعضاء النادي وهذا هو المقصود.

أود أن اختم المقال بالإشارة لأن النادي هو رسالة وطنية تسمو فوق الأشخاص واعتقد أنه من الضروري أن تقوم ادارات الأندية بتنمية شعور الانتماء لرسالة النادي هذه ضمن اعضائها القدامى والجدد ايضا لأن التركيز على رسالة النادي حافز مهم في نظري لتجاوز الاختلافات والمشكلات المتعددة التي تصاحب العمل والاجتهاد ولو وضع كل شخص هذه الرسالة نصب عينيه لفكر في ما ينفع الوطن اكثر من تفكيره من التحيز لرأيه أو لأولوياته فأيهما أولى بالتفكير، المساهمة في تنمية الموارد الوطنية من الطلبة والطالبات أم الحرص المستمر على فرض رؤية معينة لشخص أو تكتل معين على كافة اعضاء النادي؟

(1) موقع شبكة الاسلام

About نزيه العثماني 104 Articles
دكتوراة هندسة كهربائية طبية وأسعى للتميز في البحوث التطبيقية وبراءات الاختراع وتوطين التقنية بمجالي ومهتم بدعم الإبداع والموهبة وأساليب التعليم الفعالة وبناء قيادات المستقبل

9 Comments

  1. جزاك الله خير يا دكتور نزيه، تتكلم وكأنك عضو معنا في نادي في كاليفورنيا

    وفقك الله

  2. مقال جميل جدا د.نزيه. الكلام صحيح ١٠٠٪ وبنظري ادارة النادي تقوم على ٣ مبادئ رئيسية: الولاء للوطن، حب التطوع، وروح التعاون. واجهت مشاكل في رئاسة النادي كيف تضعي فلان بمنصب……. وهو ليس من نفس طائفتنا الدينية؟ ولا كيف تضعي فلان وهو كسلان وعلاماته في الحضيض؟؟؟ ما حتصدقوا انه فلان ساعدني بشكل كبير في رئاسة النادي مع جمع عدد لابأس بها من الطائفة نفسها. اما عن الشخص الاخر فوضعه في منصب جيد في رئاسة النادي زادته ثقة بالنفس وتلاه تحسن في العلامات. وطبعا ما اخفيك اني واجهت صعوبات بس كفاية عليكم المحاسن.
    واكيييييييييد استفدت جدا واكتسبت خبرات منها خبرة وفن التعامل مع اشخاص من نفس الجنسية ولكن آرائهم جدا مختلفة وكان الاحترام دائما هو سيد الموقف

    تحياتي
    سارة

  3. مقال جميل جداً
    اتمنى منك مواصلة الكتابة عن الأندية الطلابية والمشاكل التي تواجهها والحلول
    وايضا عن دورها في المجتمع المحيط بها
    بارك اللع فيك يا دكتور

  4. السلام عليكم
    مقالك جاء في وقته 🙂 لدينا انتخابات غدا الجمعة لنادي جامعة وست فرجينيا ولدينا مرشحين اثنين: طالب وطالبة
    وتم عمل مناظرة الأحد في مسرح وقد الهبت الجماهير المتعطشة والمحرومة من الحوار والديمقراطية

اترك رداً على هالة إلغاء الرد

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.