عزيزي الطالب والخريج: لا تستهن بقدراتك وخض المشكلات الصعبة فهذا طريق المميزين والمبدعين.

دفعتني رسالة تلقيتها من طالبي في الماجستير بعد مناقشة رسالته لكتابة هذه التدوينة كنصيحة للطلبة والخريجين طالما دارت بخلدي ولم تسنح الفرصة لكتابتها ولكن رسالة طالبي جددت في الرغبة لتدوينها انطلاقا من رسالتها التي جاء فيها:

د نزيه لم أتوقع أني استطيع انجاز هذا التقدم فشكراً لإيمانك بي واصرارك على رفع سقف المطالبات أثناء عملنا في الرسالة، أقف اليوم واتذكر أول يوم تقابلنا قبل سنة ونصف عندما حذرتني من العمل معك واخبرتني بفكرة المشروع وبأنه سينتج عنه عدة أوراق علمية مميزة وهذا يتطلب جهداً وعملاً متواصلاً وطلبت مني التفكير ملياً قبل أن اعمل معك. وقتها لم أصدق أنه بالإمكان تحقيق ما تكلمت عنه ولم أصدق أني استطيع تحقيق ما تقوله وظننتك تحلم فنحن لسنا في جامعة مميزة وأنا لست طالباً مميزاً وكنت سأبحث عن مشرف آخر للرسالة لكن شيئا ما لا أعرف ما هو دفعني لخوض التحدي واليوم بعد مناقشتي للرسالة وتحقيقنا فعلا لمعظم ما حدثتني عنه في أول اجتماع أود أن أقول شكراً لأنك لم تقتنع بالقليل وشكراً لاصرارك علي بأن أقوم بالمزيد فقد اقنعتني بأن امكاناتي اعلى بأكثر مما كنت اتخيل ونقف اليوم على عمل اضاف فعلاً للمخزون العلمي للموضوع فطلبات الباحثين على الأوراق المنشورة تصل من أكثر من مكان لأننا فعلا اكتشفنا شيئا مفيداً فشكراً لدعمك لي اثناء البحث.

هذه رسالة أرسلها لي طالبي في مرحلة الماجستير بقسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسبات بجامعة الملك عبدالعزيز بعد مناقشة رسالة الماجستير الخاصة به والتي كانت بعنوان: تقييم أداء كاميرا الإكس بوكس في تشخيص مشكلات الحركة وفكرتها أن متخصصي العلاج الطبيعي يستخدمون أنظمة باهظة الثمن في تشخيص مشكلات الحركة وما قمنا به في البحث يشمل تقييم استخدام كاميرا الإكس بوكس الرخيصة الثمن في هذا الموضوع وحققنا ولله الحمد تقدماً جيدا في هذا المجال والفضل لله أولاً ثم لفريق البحث الذي شمل الطالب أفضل خان من الهند ود علي مرفق من قسم الهندسة الكهربائية ود مجدي النويمي من قسم الهندسة النووية ود إيهاب والي من قسم العلاج الطبيعي بكلية العلوم التطبيقية بجامعة الملك عبدالعزيز.

ما قاله أفضل عن أنه لم يتخيل أن يستطيع انجاز ما تم انجازه هو قصة تتكرر مع الكثير من الطلاب الذين يستهينون بقدراتهم وبامكاناتهم ويخشون من خوض المشاريع التي تتطلب جهداً وعملاً لأنهم مقتنعون داخل قرارة أنفسهم بأنهم أقل من غيرهم وبأنهم لا يملكون القدرة على تخطي الصعوبات والمشكلة في هذا النمط من التفكير هي أن السلوك هو ناتج للتصورات الداخلية في عقلنا الباطن فلو أقنع الطالب نفسه على أن امكاناته محدوده فهذا سينتج عنه سلوك مطابق لهذا التصور، فستجده يرفض الخوض في المشاريع الكبيرة ويرفض تجربة الجديد ويتجنب مجابهة المشكلات المعقدة وهذا سينعكس على انجازاته.

يقول الحديث القدسي: أنا عند ظن عبدي بي، بمعنى أننا لو اقنعنا أنفسنا بأننا عاجزين فسنصبح فعلاً عاجزين لكن لو اقنعنا أنفسنا بأننا نستطيع التعلم من تجاربنا وبأننا نستطيع خوض المشكلات المعقدة ومجابهتها فهذا سينعكس على سلوكنا وسنحقق الكثير مما نأمل فيه.

افضل واجه مشكلة جديدة لم يسبق له التعرض لها أبداً لكنه كان شجاعاً في مجابهتها، كثيراً ما كان يقول: لا استطيع القيام بالأمر وصعب جداً تحقيقه لكنه وبالرغم من شعوره هذا حاول واستمر في المحاولة ومع مرور الوقت بدأ يجابه مشكلاته بنفسه ويحلها الواحدة تلو الأخرى وصار يقترح أفكاراً جديده ونجح في نهاية الأمر في رسالة الماجستير التي اضافت في نظري للمخزون العلمي للموضوع وقد توالت الطلبات على الورقة العلمية التي نشرت في احدى المجلات المميزة من جهات مختلفة من العالم لأنه عمل جديد قمنا به في ما يتصور البعض أنه (العالم الثالث) وبمجتمع يستهين الجميع بقدراته ولا يعتقدون بأنه يستطيع شيئا جديداً ومفيداً للعالم.

أحببت أن اكتب تجربة الطالب افضل في تدوينة كنصيحة للطلاب والخريجين امثاله، آمنوا بقدراتكم وامكاناتكم، لا تخشوا الخوض في المشكلات والمشاريع التي لم يسبق لكم العمل فيها، فالتعامل مع ما هو جديد أمر سيصقل تجربتكم ويجهزكم بشكل أفضل لخوض تجربة الحياة والتعامل مع صعوباتها بل سيساهم على أن تتعرفوا بشكل أفضل على أنفسكم وقد شاهدت في تجربتي البسيطة مع الطلاب بأن الطلبة الذين يملكون روح المغامرة والتحدي لا يواجهون صعوبات في التوظيف بعد التخرج ولا حتى في فتح شركات واعمال تجارية خاصة بهم بل ويبدعون كثيرا في عملهم ويتميزون فيه.

هذا الأمر يتطابق مع فكرة تتحدث عنها مفاهيم الإبداع والتميز ألا وهي فكرة أن المبدعين والمميزين هم أشخاص لا يخشون من الخروج عن الأعمال التي تعودوا عليها وارتاحوا لها ولا يخشون من مجابهة الجديد لأنهم لا يفكرون بالفشل بل ينظرون له على أنه تجربة تضيف شيئا جديداً لتجربتهم وحياتهم.

المسألة مثلها مثل عملية بناء العضلات واللياقة، فهي تتطلب أن نقوم بجهد بدني وتمارين لياقية أكثر مما تعودنا عليه وكلما قمنا بذلك بشكل منظم ومرتب كلما نمت عضلاتنا وكبرت ونفس المنطق ينطبق على تجربتنا وخبراتنا في مجالاتنا فإن أردنا أن نرتفع بها فلابد أن نسعى لخوض تحديات جديدة ومشكلات معقدة ترفع من مخزوننا العلمي والفكري مما سيكون له الأثر على التميز والإبداع في الأداء.

ختاماً عزيزي الطالب والخريج، لا تبحث عن المشاريع السهلة والبسيطة لأنها لن تضيف لك شيئا واستمرارك فيها سيعيدك للوراء بل ابحث عن التحدي وخض المشكلات الصعبة فهذا طريق المميزين والمبدعين.

About نزيه العثماني 102 Articles
دكتوراة هندسة كهربائية طبية وأسعى للتميز في البحوث التطبيقية وبراءات الاختراع بمجالي ومهتم بدعم الإبداع والموهبة وأساليب التعليم الفعالة وبناء قيادات المستقبل

3 Comments

  1. شكرا على التدوينة دكتور نزيه،

    قد يتصور بعض الطلاب أن الإمكانات والتجهيزات المتاحة هنا أقل مما هو متوفر في الخارج. ومن هنا تبدأ التبريرات، أذكر خلال دراستي الجامعية أنك كنت تؤكد على أنه لا نختلف كثيرا وأنه بالإمكان إنجاز ما نريد إنجازه متى ما حضرت قوة الإرادة وبذل أقصى جهد ممكن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.