عزيزي المبتعث تجنب الجدال ولا تكن بوقاً يستخدمه الآخرون

 

عزيزي المبتعث تجنب الجدال ولا تكن بوقاً يستخدمه الآخرون

نزيه العثماني

 

سنوات مضت بعد العودة من البعثة وما زلنا كمبتعثين سابقين نجتمع بين الآونة والأخرى نسترجع ذكريات الابتعاث وتجاربه المختلفة التي ساهمت في صقل أفكارنا وشخصياتنا اليوم ومن الذكريات التي كثيراً ما نسترجعها الصراعات والجدالات التي كانت تدور بين المسلمين في أرض الابتعاث والتي كان بعضنا جزءاً منها وطرفاً فيها، جدالات اكتشفنا اليوم أنها كانت عقيمة لم تستحق منا كل ذلك الجهد ولم تستحق منا كل ذلك الشحن والغضب بل نتذاكرها اليوم ونضحك على بعض مواقفنا التي اخذناها في تلك الفترة بل وصل الأمر للبعض بأن يتبنى اليوم مواقفاً مضادة ومعاكسة تماماً لما كان يصر عليه أيام الابتعاث.

 

مواضيع الجدل كانت كثيرة منها بدايات الشهور رمضان وشوال وذو الحجة، وجود الحواجز في المسجد بين الرجال والنساء، استضافة غير المسلمين في المساجد، تمثيل للسيدات في الأيام السعودية وفي مجالس إدارة الأندية وفي مجالس إدارة المساجد، الحوار مع غير المسلمين، التواصل الاجتماعي مع غير المسلمين، وغيرها من المواضيع التي تتباين فيها المواقف بين المسلمين بحكم تنوع مرجعياتهم المذهبية والفكرية والعرقية والشئ الذي لا يعرفه الكثيرون هو أن هناك مراجع فقهية موجودة في بلاد الابتعاث كما أن الكثير من العلماء يتحدث عن فقه الأقليات المسلمة فما ينطبق في بلاد المسلمين لا ينطبق في البلدان الأخرى ذات الأقليات المسلمة والعكس أيضا صحيح والمشكلة تحدث عندما يأتي مبتعث (من أي بلد كان) ويحاول فرض رؤيته على المجتمع المحيط به متناسياً أن ظروف المعيشة مختلفة ولا ينطبق عليها ما ينطبق في بلده ومع مرور الوقت تجد أن مواقف المبتعث ذاته تتغير عندما يفهم طبيعة الحياة الجديدة وتجد أن تشنجه قد خف هذا إن لم يبدأ في تبني مواقف مغايرة لما كان عليها في بداية الابتعاث.

 

من أمثلة هذه المواقف التي اذكرها أن أحد المبتعثين من بلد عربي ما في مدينتنا بأمريكا أقام الدنيا وأقعدها وشحن الناس والمجتمع لأن حلقة النساء بالمسجد استضافت إمام المسجد ليلقي درساً على السيدات بدون أن يكون هناك فاصل وحاجز بينه وبين النساء فكلمهن بشكل مباشر تماماً كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل مع النساء في مسجده النبوي. مسألة لم يتعود عليها ذلك المبتعث فغضب وثار وأثار جزءاً من المجتمع معه وتولدت مشكلات وشحناء وتحزب المجتمع بين مؤيد ومعارض وانتقل الجدل والصراع للمنازل والعوائل والأصدقاء، وتمر الأيام نفسها وتتخرج زوجة ذلك المبتعث نفسه من الجامعة وتناقش رسالتها للتخرج أمام الرجال من مرشديها وطلاب القسم. لا أعرف شيئاً عن ذلك المبتعث اليوم، لكن كثيراً ممن أيدوه في ذلك الوقت وتشنجوا في مواقفهم تغيروا تماماً بل ويضحكون على المواقف التي اتخذوها في ذلك الوقت.

 

المسألة الأخرى ذات الجدل الأزلي هي قضية بدايات الشهور، فقد كانت وما تزال تشكل صراعاً أزلياً في المواقف وكنت في بداية الابتعاث ممن تشنج في موقفه وتحزب مع طرف من الأطراف إلى أن بدأت المسألة تتكشف أمامي فالذي وجدته هو أن المسألة ليست حق ولا باطل وإنما هي صراع بين أحزاب وتكتلات فكرية ورغبة في الهيمنة على المجتمع من خلال موضوع الهلال، فهذا حزب يستخدم رأي الرؤية المحلية ويشحن أتباعه تجاهها وذاك آخر يؤمن بضرورة اتباع رؤية المشرق ويشحن اتباعه تجاهها وذاك فريق يستأنس بالحساب ويرفض الرؤية التي تعارض الحساب ويشحن اتباعه تجاهها، مشاحنات يدخل فيها عامة الناس ظانين أن الهدف منها هو الحق والباطل بينما الذي اكتشفته هو أن هذه الأحزاب تستخدم أبواقاً من عامة الناس لكي تشحنهم ضد الآخرين ولكي تبين أن (الحزب الآخر) متخلف ورجعي أو متحرر أو متشدد فالهدف هو فرض الوصاية على الناس ومنعهم من الاستماع لأفكار وبرامج الآخرين وقضية الهلال وبدايات الشهور هي وسيلة فقط لتحقيق ذلك الأمر فالهدف (ولا اقصد التعميم هنا) هو الانتخابات القادمة للمسجد ومعظم الفرق تريد أن تبرز نفسها على أنها حامي حمى السنة والغيور عليها وهدفها هو السيطرة على تبرعات وميزانيات المساجد وتسخيرها لخدمة برامج هذا الحزب أو ذلك، اكتشفت أني كنت بوقاً للآخرين في هذا المجال ولهذا قررت بعدها أن لا أكون طرفاً في مثل هذه النزاعات التي ليست من شأني أصلاً، لي رؤيتي ونظرتي ولكني عزمت أن لا أكون بوقاً يخدم مصلحة هذا التيار أو ذاك.

 

لا ضير طبعاً من الرجوع عن المواقف السابقة ولا ضير أبداً في أن يتغير الإنسان بل على العكس فالرغبة والقدرة على التغير دليل على صدق النوايا وضرورة للتطور والإبداع ولكن المهم أن نستفيد من هذه التجربة ولهذا أحببت أن اكتب هذه التدوينة لأنقل هذه التجربة لعلها تكون دافعاً لمن يقرأها سواء كان مبتعثاً أو لم يكن بأن يعيد النظر في مواقفه ويفكر كثراً قبل أن يكتشف أنه بوقٌ لغيره أو يقف اليوم موقف هؤلاء الذين تغيروا 180 درجة عما كانوا عليه وتوجهوا لاتجاهات معاكسة لأفكارهم السابقة فالحكمة تقول

 

أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوماً ما وأبغض عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما

 

ما أكثر الذين يشار لهم بالبنان اليوم ويشكك في مصداقيتهم لأنهم تراجعوا عن مواقفهم السابقة فتعلم منهم ولا تتشنج في مواقفك اليوم فلعلك تصبح ممن يشار إليه بالبنان غداً ويقال (فاكرين مواقفه السابقة؟)

 

About نزيه العثماني 104 Articles
دكتوراة هندسة كهربائية طبية وأسعى للتميز في البحوث التطبيقية وبراءات الاختراع وتوطين التقنية بمجالي ومهتم بدعم الإبداع والموهبة وأساليب التعليم الفعالة وبناء قيادات المستقبل

1 Comment

  1. حكمة جميلة
    أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون عدوك يوماً ما وأبغض عدوك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما

Leave a Reply

Your email address will not be published.


*


هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.